آخر الأخبار
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الإعجاز في البحار والمياه. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الإعجاز في البحار والمياه. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 4 ديسمبر 2017

من أين جاء ماء الأرض؟


سوف نكتشف أن القرآن الكريم أنبأ عن جميع الحقائق العلمية المتعلقة بتشكل الماء وتخزينه وأنه تحدث عن دورة الماء الصغرى والكبرى.. لنتأمل....

سؤال طرحه الملحدون وشككوا بأن القرآن يحوي تناقضاً في آياته.. فالله تعالى يقول:
(وَ اللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) [النحل: 65]. هذه الآية تؤكد أن الماء نزل من السماء.
ولكن يقول في آية أخرى: (وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَ مَرْعَاهَا) [النازعات: 30-31]. وهذه الآية تؤكد أن الماء خرج من الأرض!!
 
يحوي سطح الكرة الأرضية بحدود 71 ماء موزعة على البحار والمحيطات والأنهار والكتب الجليدية..
والسؤال: هل نزل الماء من السماء أم خرج من الأرض؟
الحقيقة هناك آية تجيب عن هذا السؤال وتتفق مع آخر النظريات العلمية لتشكل الماء على الأرض.. فالنظرية العلمية تقول بأن الماء تشكل أصلاً خارج الأرض ونزل إلى الأرض عبر تريليونات النيازك التي ضرت الأرض عبر مليارات السنين..
ولكن هذا الماء تم تخزينه في طبقات الأرض وبعد ذلك عندما بردت القشرة الأرضية بدأ تسرب الماء من طبقات الأرض إلى السطح حيث تشكلت البحار.. وهذا التسرب لا زال حتى اليوم.. والماء المخزن اكتشف حديثاً حيث تبين أن هناك بحراً هائلاً تحت الطبقة الثالثة من طبقات الأرض السبعة..
قال تعالى: (وَ أَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) [المؤمنون: 18]. هذه الآية تشير إلى حقيقة نزول الماء من السماء.. أي من خارج الأرض، وتشير إلى أنه قد تم إسكان هذا الماء في باطن الأرض.. والله قادر على أن يذهبه فلا يمكث ولا يسكن.. فقد جعل الله صخور الأرض أنواعاً متعددة منها نوع يحجز الماء ولا يسمح له بالتسرب.. كذلك الله تعالى أعطى طبقات الأرض تصمصماً مميزاً بحيث أنه يسمح لكميات هائلة من الماء بالتسرب إلى مئات الكيلومترات والمكوث هناك لملايين السنين..
 
يؤكد العلماء أن الأرض بعيد تشكلها بملايين السنين ضربت بأعداد هائلة من النيازك المحملة بالماء مما شكل الماء مبكراً على كوكب الأرض.. ولذلك يعتقد بعض العلماء أن الحياة على هذا الكوكب بدأت قبل أربعة مليارات عام.
 
كما تم اكتشاف كميات هائلة من المياه مخزنة على عمق 400-600 كيلومتر تحت سطح الأرض.. هذه الكميات الكبيرة تعادل ثلاثة أضعاف ما نراه على سطح الأرض.. وهناك دورة ماء كبرى تتم بين البحار والمحيطات على السطح وبين هذا المحيط الهائل في الأعماق!
والخلاصة:
إن الآيات التي تتحدث عن إنزال الماء من السماء تأخذ معنيين، الأول هو نزول الماء من السماء أثناء تشكل الأرض عبر مليارات السنين.. والمعنى الثاني هو نزول الماء من الغيوم وفق دورة الماء التي تتكرر باستمرار..
أما الآيات التي تتحدث عن إخراج ماء الأرض منها فهي تشير إلى تسرب الماء المخزن في باطن الأرض إلى البحار على السطح وفق دورة لا يعلم مدتها إلا الله تعالى.. هذه الدورة يمكن أن تحدث عبر ملايين السنين..
أي أن القرآن أعطاك عزيزي القارئ حقائق علمية متعددة في آيات رائعة بأسلوبها محكمة بصياغتها وبليغة بأثرها ومعانيها.. فالحمد لله الذي أكرمنا بهذا القرآن وقال: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَ ذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [العنكبوت: 51].
ــــــــــــ
بقلم عبد الدائم الكحيل

المراجع




اقرأ المزيد ...

السبت، 10 يونيو 2017

وجعل بينهما برزخاً

تحدث القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرناً عن ظاهرة فيزيائية عجيبة، لا يمكن للبشر مشاهدتها بأم أعينهم، بل إن اكتشافها من قبل العلماء في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي كان أقرب ما يكون للمعجزة؛ لكونها تحدث داخل البحار، وكذلك فإنه لا يمكن رؤيتها حتى ولو تم الوصول لمكان حدوثها. 

هذه الظاهرة هي وجود حاجز، أو فاصل بين المياه المالحة والمياه العذبة عند التقائهما في مكان ما، هذا الحاجز يحول دون حركة كل من المائين باتجاه بعضهما البعض، فلا يمتزجان مع أن مستوى الماء العذب أعلى من مستوى الماء الملح. 

تحدث القرآن الكريم عن وجود هذه الظاهرة العجيبة في ثلاث آيات قرآنية:

في قوله تعالى: {وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا} (الفرقان:53).

وقوله عز وجل: {أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون} (النمل:61). 

وقوله سبحانه: {مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان} (الرحمن:19-20). 

لعلماء التفسير قولين في حديثهم عن (الحاجز) أو (البرزخ) الموجود بين البحرين: 

القول الأول: يرى أن الحاجز هو كيان مادي مشاهَد، وهو اليابسة التي تفصل ما بين البحار والأنهار؛ فتحول دون اختلاط المياه ببعضها البعض. وإلى هذا ذهب الحسن البصري من التابعين.

القول الثاني: يذهب إلى أن (البرزخ) هو حاجز معنوي -غير مادي- يمنع اختلاط مياه البحار المالحة مع مياه الأنهار العذبة عند منطقة التقائهما. وهذا رأي مجاهد واختيار الطبري. 

ومن الواضح أن القول الأول يجافي الحقيقة، ويتعارض بشكل واضح مع مدلول هذه الآيات، وخاصة آيات سورة الرحمن، التي تؤكد أن البرزخ ينشأ عند التقاء ماء البحرين، لهذا لا يمكن بأي حال من الأحوال تفسير البرزخ والحجر المحجور على أنها اليابسة التي تفصل ما بين البحار والأنهار.

قال الطبري: "وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في معنى قوله: {وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا} دون القول الذي قاله من قال معناه: إنه جعل بينهما حاجزاً من الأرض، أو من اليبس؛ لأن الله تعالى ذكره أخبر في أول الآية أنه مرج البحرين، و(المرج) هو الخلط في كلام العرب، فلو كان (البرزخ) الذي بين العذب الفرات من البحرين، والملح الأجاج أرضاً، أو يبساً، لم يكن هناك مرج للبحرين، وقد أخبر جل ثناؤه أنه مرجهما، وإنما عرفنا قدرته بحجزه هذا الملح الأجاج عن إفساد هذا العذب الفرات، مع اختلاط كل واحد منهما بصاحبه. فأما إذا كان كل واحد منهما في حيز عن حيز صاحبه، فليس هناك مرج، ولا هناك من الأعجوبة ما يُنَبَّه عليه أهل الجهل به من الناس، ويُذَكَّرون به، وإن كان كل ما ابتدعه ربنا عجيباً، وفيه أعظم العبر والمواعظ والحجج البوالغ".

فحمل الآية على أن المراد بـ (الحاجز) حاجز معنوي، ينفي عن الآية وجه الإعجاز فيها؛ إذ الآية مساقة مساق بيان إعجازه سبحانه في خلقه، وبالغ قدرته في إيجاده. وكذلك فإنه لا يوجد وجه إعجاز واضح يفحم الكافرين بوجود الله عز وجل في كون اليابسة هي الفاصل الذي يفصل بين البحار والأنهار. 

أما منتهى الإعجاز في الخلق، فهو أن تلتقي البحار المالحة مع البحار العذبة دون أن تختلط مياههما من خلال وجود هذا البرزخ العجيب. 

فكلمة {مرج} التي وردت في هذه الآيات، تعني عملية الخلط أو الجمع بين مياه البحرين في مكان واحد. وسنبين في هذه المقالة أن وجود (البرزخ) بين المياه العذبة والمياه المالحة معجزة كبرى من معجزات الله في هذا الكون؛ ولولاه لأصبحت حياة البشر وبقية الكائنات الحية في خطر؛ بسبب شح المياه العذبة على سطح الأرض.

نسبة المياه العذبة 3% من مجمل المياه

تشير الدراسات العلمية، والأبحاث الكونية إلى أنه يتجمع ما نسبته (97%) من الماء الموجود على سطح الأرض في محيطات وبحار الأرض على شكل ماء مالح، والتي تغطي ما يقرب من سبعين بالمائة من سطح الأرض. بينما تبلغ نسبة المياه العذبة في الأرض ثلاثة بالمائة فقط، وتقدر بما يقرب من مائة مليون كيلومتر مكعب، وهي موزعة على اليابسة على شكل جليد في مناطق القطبين، وعلى شكل ثلوج في المرتفعات الشاهقة، وكمياه جوفية في طبقات القشرة الأرضية، وكمياه سائلة في البحيرات والأنهار والجداول والتربة، وكبخار ماء في الغلاف الجوي. 

فالمياه المتجمدة في القطبين تشكل (70%) من مياه اليابسة، أي ما يقرب من سبعين مليون كيلومتر مكعب.

أما المياه الجوفية فتشكل (20%) من مياه اليابسة، أي ما يقرب من عشرين مليون كيلومتر مكعب. وأما مياه البحيرات العذبة فتشكل (0.3%) من مياه اليابسة أي ما يقرب من ثلاثمائة ألف كيلومتر مكعب، ومثلها تقريباً في البحيرات المالحة.

وأما المياه الموجودة في التربة فتشكل واحداً ونصفاً من عشرة بالمائة من مياه اليابسة، أي ما يقرب من مائة وخمسون ألف كيلومتر مكعب. 

وأما المياه الموجودة في الغلاف الجوي على شكل بخار، فتشكل (3%) ثلاثة بالمائة من مياه اليابسة، أي ما يقرب من ثلاثين ألف كيلومتر مكعب.

أما مياه الأنهار والجداول فتشكل ثلاثة بالألف بالمائة من مياه اليابسة، أي ما يقرب من ثلاثة آلاف كيلومتر مكعب.

وتفيد الدراسات العلمية أن ما يزيد عن (50%) خمسين بالمائة من سكان العالم يعتمدون على المياه الجوفية لشربهم، وري مزروعاتهم، وسقاية مواشيهم. وتشير كذلك إلى أن سبعين بالمائة من سكان العالم يعيشون على شواطئ المحيطات والبحار، ويعتمدون في الغالب على المياه الجوفية التي تكوَّن على شكل أنهار خفية، تجري تحت سطح الأرض، وتصب في هذه المحيطات والبحار. إن هذه المياه الجوفية العذبة تختلط بشكل مباشر بمياه المحيطات والبحار المالحة إلى أعماق كبيرة تحت سطح مستوى البحر. وكان من المفترض أن تتلوث المياه الجوفية العذبة بمياه البحار الشديدة الملوحة بسبب هذا الاختلاط؛ إلا أن البشر لم يحدث أن اشتكوا من مثل هذا التلوث، ولم يعرفوا السبب الذي يحول دون هذا التلوث.

وأول من لاحظ وجود (حاجز) مائي بين المياه الجوفية العذبة ومياه البحار المالحة العالم الهولندي غيبن (Baden-Ghyben) في عام (1888م)، والعالم الألماني هيرزبيرغ (Herzberg) في عام (1901م). ولقد تمكن العالمان -وبشكل مستقل- من اشتقاق علاقة تحدد عمق الحاجز عن سطح البحر؛ ولهذا سميت العلاقة باسميهما، وهي علاقة (غيبن-هيرزبيرغ) (Ghyben-Herzberg relation). وتعتمد العلاقة في اشتقاقها على حقيقة أن كثافة الماء المالح تزيد عن كثافة الماء العذب بنسبة (40-41) حيث تبلغ كثافة الماء المالح (1.025) غرام لكل سنتيمتر مكعب، بينما تبلغ كثافة الماء العذب غرام واحد لكل سنتيمتر مكعب، وبناء على هذه الحقيقة، وجد العالمان أن عمق (الحاجز) الموجود بين المائين تحت سطح البحر يبلغ أربعين ضعف ارتفاع مستوى الماء العذب فوق سطح البحر. وهذا يعني أن مثل هذا الحاجز لن ينشأ إذا تساوى مستوى الماء العذب مع مستوى الماء المالح. وهذا (الحاجز) المائي يكون على شكل جدار من الماء يحيط تماماً بكامل المياه الجوفية من جهة الماء الملح، ويبدأ أعلاه من سطح البحر الملح، ويمتد إلى الأسفل، ولكن ليس بشكل رأسي، بل يميل بشكل منحني باتجاه المياه العذبة إلى أن يصل إلى قاع المياه العذبة.

لقد تبين لهذين العالمين أن وجود مثل (الحاجز) بين الماء الملح والماء العذب يمنع منعاً باتاً انتشار جزيئات الملح من الماء الملح إلى الماء العذب، وهو ما يخالف القانون الطبيعي، الذي ينص على أن جزيئات المادة في السوائل والغازات تنتشر من الوسط الأكثر تركيزاً إلى الوسط الأقل تركيزاً بهذه الجزيئات. إن (الحاجز) الذي ينشأ بين الماء الملح والماء العذب، ليس حدًّا فاصلاً (sharp boundary) لا عرض له، بل هو منطقة لها سمك محدد، يهبط فيها تركيز الملح بشكل تدريجي من مستواه في جهة الماء الملح إلى مستواه في جهة الماء العذب، أُطلق عليها اسم الماء الآسن أو الكريه (brackish water or fresh/salt mixture). وقد أطلق العلماء اسم برزخ الماء الملح-الماء العذب (saltwater-freshwater interface or transition) على هذا الحاجز المائي الذي يفصل ما بين المائين.

وقد جاءت الكلمات القرآنية التي تصف هذا (الحاجز) المائي في غاية الدقة، فقد وصفته بأنه {برزخ} (interface) و(البرزخ) كما هو معروف هو مرحلة، أو حالة انتقالية (transition state) تقع بين مرحلتين، أو حالتين مختلفتين. وأما كلمتي {حجرا محجورا} فتصف هذا (الحاجز) بأنه كـ (الِحجر) بكسر الحاء، الذي يحجر، أو يمنع دخول الأشياء إليه، وهذا ما يقوم به هذا (الحاجز) أو (البرزخ) المائي؛ حيث يمنع دخول الماء الملح إليه من جهة البحر الملح، وكذلك الحال مع الماء العذب.

إن حركة الماء في داخل البرزخ محدودة جداً، بعكس حركة الماء الملح والماء العذب المحيطة به؛ ولذا فإنه يُعتبر ماء راكداً، وتتعرض المواد العضوية في داخله للتعفن، وتنبعث منه رائحة كريهة؛ ولذا سمي بالماء الآسن أو الكريه (brackish water).

أما قوله تعالى {بينهما برزخ لا يبغيان} فالآية تعبر عن الوظيفة الرئيسية لهذا (البرزخ) المائي، وهي منع تدفق واختلاط الماء المالح من البحر الملح مع الماء العذب في البحر العذب، وكذلك العكس. وقد أكدت إحدى الآيات التي تتحدث عن (البرزخ) المائي، أن هذه الظاهرة تحدث بشكل رئيس عند التقاء البحار المالحة، والبحار العذبة.

إن ظاهرة حدوث (البرازخ) المائية تنشأ عند التقاء الكتل المائية المالحة مع العذبة، كما هو الحال مع التقاء المياه الجوفية العذبة مع مياه المحيطات والبحار المالحة، وكذلك التقاء مياه الأنهار العذبة مع مياه البحار عند مصابها، وكذلك التقاء المياه العذبة الناتجة من ذوبان الجليد القطبي في مياه البحار المالحة المحيطة بها. وتتجلى ظاهرة (البرازخ) المائية أكثر ما تتجلى في الجزر الصغيرة الموجودة في المحيطات، فمياه المحيطات المحيطة بهذه الجزر، وبسبب ضغطها الهائل قادرة على تلويث المياه الجوفية الموجودة فيها بشكل كامل، لولا عناية الله عز وجل بمخلوقاته من خلال إبداعه لهذه (البرازخ) المائية. وتظهر مياه الجزر الجوفية على شكل عدسات كروية، تحيط بها مياه البحار المالحة من كل ناحية؛ ولذا سميت بعدسات (غيبن-هيرزبيرغ) (Ghyben-Herzberg lens).

إن (البرازخ) المائية لا يقتصر دورها على منع اختلاط المياه المالحة مع المياه الجوفية العذبة، بل تقوم برفع مستوى هذه المياه من خلال دخول المياه المالحة تحت المياه العذبة، التي تطفو فوقها بسبب انخفاض كثافتها نسبياً.

ويتخوف العلماء من أن يؤدي الضخ الجائر للمياه الجوفية الموجودة عند شواطئ المحيطات والبحار إلى اختفاء (البرازخ) المائية فيها؛ وذلك عندما يصبح مستوى المياه الجوفية مساوياً لمستوى سطح البحار. وفي حالة اختفاء (البرزخ) المائي، فإن مياه البحار المالحة ستتغلغل في المياه الجوفية العذبة، وتحولها إلى مياه مالحة غير صالحة للشرب، فيما يسمى بتغلغل، أو تداخل المياه المالحة (Saltwater intrusion).

إن هذا الاكتشاف المذهل للبرازخ المائية لا يترك لأي إنسان عاقل ومنصف مجالاً للشك في صدق هذا القرآن الكريم، الذي أشار إلى وجود هذه (البرازخ) وبيّن مواصفاتها ودورها في منع مياه البحار المالحة من تلويث المياه العذبة، رغم اختلاطهما الظاهري. إن معظم البشر اليوم -وهم يعيشون في القرن الواحد والعشرين- يجهلون وجود هذه الحواجز المائية بين المياه المالحة والعذبة، رغم أن حياة أكثرهم تقوم على هذه الظاهرة العجيبة.

وفي المقابل، هل يمكن لبشر عاش قبل أربعة عشر قرناً أن يتكلم عن وجود مثل هذه الحواجز، التي لا يمكن أن تُرى، ويحدد الدور البالغ الأهمية الذي تؤديه في حياة البشر وغيرهم من الكائنات الحية. وصدق الله العظيم القائل: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} (فصلت:53). والقائل سبحانه: {وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون} (النمل:93).

* مادة المقال مستفادة من موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة بتصرف يسير
موقع مقالات إسلام ويب
اقرأ المزيد ...

والبحر المسجور


صدر سورة الطور أقسم سبحانه بجملة من آياته الكونية تأكيداً على وقوع عذابه بالكافرين، ووعده بالجنات للمتقين، ومن جملة ما أقسم به سبحانه قوله عز وجل: {والبحر المسجور} (الطور:6)، فما المراد بـ (البحر المسجور) وما وجه الإعجاز في هذه الآية؟

‏(‏البحر‏) في اللغة ضد البر‏، وقيل: إنما سمي بهذا الاسم لعمقه واتساعه‏، والجمع‏ (أبحر‏)‏ و‏(‏بحار‏)‏ و‏(‏بحور‏)‏ وكل نهر عظيم يسمى بحراً؛‏ لأن أصل (البحر) هو كل مكان واسع جامع للماء الكثير‏،‏ وإن كانت لفظة‏ (البحر‏)‏ تطلق في الأصل على الماء المالح دون العذب‏،‏ كذلك سمت العرب كل متوسع في شيء ‏(بحراً‏)‏ حتى قالوا‏:‏ للمتوسع في علمه‏ (‏بحراً)، وللتوسع في العلم ‏(‏تبحر‏)،‏ وقالوا‏:‏ فرس ‏(بحر‏)‏ أي: واسع الخطى،‏ سريع الجري‏

أما وصف البحر بصفة‏ (المسجور‏)‏ فالصفة مستمدة من الفعل ‏(سَجَرَ‏)‏ و‏(‏السَّجْر‏) تهييج النار‏، يقال: ‏(سَجَر‏)‏ التنور، أي: أوقد عليه حتى أحماه‏، و‏(‏السَّجُور‏) هو ما يُسْجَرُ به التنور من أنواع الوقود‏،‏ كما يقال: ‏(سجر‏)‏ الماء النهر، أي: ملأه‏،‏ ومنه ‏(‏البحر المسجور‏)‏ أي: المملوء بالماء‏،‏ المكفوف عن اليابسة 




أما أقوال أهل التفسير في المراد بـ (البحر المسجور) فقد نقل ابن كثير عن الربيع بن أنسأنه‏:‏ هو الماء الذي تحت العرش، الذي يُنزل الله منه المطر، الذي تحيا به الأجساد في قبورها يوم معادها‏،‏ أي أنه بحر من ماء خاص محبوس عند رب العالمين‏،‏ ينزله ‏سبحانه يوم البعث، فينبت كل مخلوق بواسطة هذا الماء من عجب ذنبه، كما تنبت البقلة من حبتها على ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ أما جمهور المفسرين فذهبوا إلى أن المراد بـ (البحر المسجور) هو هذا البحر‏،‏بيد أنهم اختلفوا في معنى {المسجور} فقال بعضهم: المراد أنه يوقد يوم القيامة ناراً، كقوله تعالى: {وإذا البحار سجرت} (التكوير:6) أي: أوقدت وأضرمت، فتصير ناراً تتأجج محيطة بأهل الموقف، كما روي عن علي وابن عباس‏ رضي الله عنهما.‏ وقال بعضهم‏:‏ إنما سمي (البحر المسجور) لأنه لا يُشرب منه ماء‏،‏ ولا يُسقى به زرع،‏ وكذلك البحار يوم القيامة‏.

وروي عن سعيد بن جبير‏: {والبحر المسجور} يعني المرسل‏. وقال قتادة‏:‏ {المسجور} المملوء بالماء،‏ واختاره الطبري. وقيل‏: المراد بـ {المسجور} الممنوع المكفوف عن الأرض؛ لئلا يغمرها، فيغرق أهلها‏، قاله ابن عباس، وعليه يدل الحديث الذي رواه الإمام أحمد عنعمر بن الخطاب‏‏ رضي الله عنه عن رسول الله‏ صلى الله عليه وسلم‏، قال‏: (ليس من ليلة إلا والبحر يُشرف فيها ثلاث مرات، يستأذن الله أن ينفضخ عليهم، فيكفه الله عز وجل‏) قال محققو "المسند": إسناده ضعيف. (قوله: ينفضخ، أي: ينفتح ويسيل).

والمتحصل من أقوال المفسرين، أن المراد بـ (البحر المسجور) البحر الموقد ناراً يوم القيامة، أو البحر المملوء بالماء. 

ماذا يقول العلم الحديث؟من المعاني اللغوية والأقوال التفسيرية لـ (البحر المسجور) هو المملوء بالماء، والمكفوف عن اليابسة‏، وهو معنى صحيح من الناحية العلمية صحة كاملة، كما أثبتته الدراسات العلمية في القرن العشرين‏. ومن المعاني اللغوية والأقوال التفسيرية لهذا القَسَم القرآني أيضاً، أن (البحر المسجور) هو الذي قد أوقد عليه حتى حميَ قاعه، فأصبح مسجوراً، وهذا أيضاً من الحقائق العلمية، التي أكدتها الأبحاث العلمية في العقود المتأخرة من القرن العشرين، والتي لم يكن لبشر إلمام بها قبل ذلك أبداً، وهذا ما نفصله بعض الشيء تالياً: 

أولاً‏(‏البحر المسجور‏) بمعنى المملوء بالماء، والمكفوف عن اليابسةالأرض هي أغنى كواكب المجموعة الشمسية بالماء، الذي تقدر كميته بحوالي ‏(1360)‏ إلى (‏1385)‏ مليون مليون كيلو متر مكعب‏،‏ وهذا الماء قد أخرجه ربنا سبحانه كله من داخل الأرض على هيئة بخار ماء، اندفع من فوهات البراكين‏،‏ وعبر صدوع الأرض العميقة، ليصادف الطبقات العليا الباردة من نطاق التغيرات الجوية، والذي يمتد من سطح البحر إلى ارتفاع حوالي ستة عشر كيلو متراً فوق خط الاستواء‏، وحوالي العشرة كيلو مترات فوق قطبي الأرض‏، وتنخفض درجة الحرارة في هذا النطاق باستمرار مع الارتفاع، حتى تصل إلي ستين درجة مئوية تحت الصفر في قمته‏.‏ وهذا النطاق يحوي حوالي ثلثي كتلة الغلاف الغازي للأرض‏ (66%)‏ والمقدرة بأكثر قليلاً من خمسة آلاف مليون مليون طن‏، وهو النطاق الذي يتكثف فيه بخار الماء الصاعد من الأرض‏، والذي تتكون فيه السحب‏، وينزل منه كل من المطر‏،‏ والبَرَد‏،‏ والثلج‏،‏ وتتم فيه ظواهر الرعد والبرق، وتتكون العواصف والدوامات الهوائية، وغير ذلك من الظواهر الجوية‏،‏ ولولا تبرد هذا النطاق مع الارتفاع، ما عاد إلينا بخار الماء الصاعد من الأرض أبداً،‏ وحينما عاد إلينا بخار الماء مطراً،‏ وثلجاً، وبرداً، انحدر على سطح الأرض، ليشق له عدداً من المجاري المائية‏،‏ ثم فاض إلى منخفضات الأرض الواسعة، ليكون البحار والمحيطات‏،‏ وبتكرار عملية البخر من أسطح تلك البحار والمحيطات، ومن أسطح اليابسة بما عليها من مختلف صور التجمعات المائية والكائنات الحية‏،‏ بدأت دورة المياه حول الأرض‏ من أجل التنقية المستمرة‏ لهذا الماء، وتلطيف الجو‏، وتفتيت الصخور‏، وتسوية سطح الأرض‏،‏ وتكوين التربة،‏ وتركيز عدد من الثروات المعدنية‏، وغير ذلك من المهام التي أوكلها الخالق لتلك الدورة المعجزة.

هذه الدورة المحكمة للمياه حول الأرض أدت إلى خزن أغلب ماء الأرض في بحارها ومحيطاتها، حوالي‏ (97,2%)،‏ وإبقاء أقله على اليابسة‏ حوالي (‏2,8%)، وبهذه الدورة للماء حول الأرض تملح ماء البحار والمحيطات‏، وتبقى نسبة ضئيلة على هيئة ماء عذب على اليابسة‏،‏ وحتى هذه النسبة الضئيلة من ماء الأرض العذب قد حبس أغلبها على هيئة سمك هائل من الجليد فوق قطبي الأرض‏، وفي قمم الجبال‏،‏ والباقي مختزن في الطبقات المسامية والمنفذة من صخور القشرة الأرضية على هيئة ماء تحت سطحي، وفي بحيرات الماء العذب، وعلى هيئة رطوبة في تربة الأرض، ورطوبة في الغلاف الغازي للأرض، وما يجري في الأنهار والجداول. 

وتوزيع ماء الأرض بنسب محددة، اقتضتها حكمة الله الخالق، قد تم بدقة بالغة بين البيئات المختلفة بالقدر الكافي لمتطلبات الحياة في كل بيئة من تلك البيئات‏، وبالأقدار الموزونة، التي لو اختلت قليلاً بزيادة أو نقص، لغمرت الأرض، وغطت سطحها بالكامل، أو انحسرت تاركة مساحات هائلة من اليابسة، ولقصرت دون متطلبات الحياة عليها‏. 

ويذكر العلماء أن الجليد المتجمع فوق قطبي الأرض، وفي قمم الجبال المرتفعة فوق سطحها، إذا انصهر ‏-وهذا لا يحتاج إلا إلى مجرد الارتفاع في درجة حرارة صيف تلك المناطق بحوالي خمس درجات مئوية‏- فإن كم الماء الناتج، سوف يؤدي إلى رفع منسوب المياه في البحار، والمحيطات إلى أكثر من مائة متر، فيغرق أغلب المناطق الآهلة بالسكان، والممتدة حول شواطئ تلك البحار والمحيطات‏.‏ وليس هذا من قبيل الخيال العلمي‏؛ فقد مرت بالأرض فترات كانت مياه البحار فيها أكثر غمراً لليابسة من حدود شواطئها الحالية‏،‏ كما مرت فترات أخرى كان منسوب الماء في البحار والمحيطات أكثر انخفاضاً من منسوبها الحالي، ما أدى إلى انحسار مساحة البحار والمحيطات وزيادة مساحة اليابسة‏،‏ والضابط في الحالين كان كم الجليد المتجمع فوق اليابسة‏،‏ فكلما زاد كم الجليد انخفض منسوب الماء في البحار والمحيطات، فانحسرت عن اليابسة، التي تزيد مساحتها زيادة ملحوظة،‏ وكلما قلَّ كم الجليد ارتفع منسوب المياه في البحار والمحيطات، وطغت على اليابسة، التي تتضاءل مساحتها تضاءلاً ملحوظاً‏. 

من هنا كان تفسير قوله تعالى: {والبحر المسجور}‏ بأن الله تعالى يمن على عباده بأنه ملأ منخفضات الأرض بماء البحار والمحيطات،‏ وحجز هذا الماء عن مزيد من الطغيان على اليابسة منذ خلق الإنسان،‏ وذلك بحبس كميات من هذا الماء في هيئات متعددة، أهمها ذلك السمك الهائل من الجليد المتجمع فوق قطبي الأرض، وعلى قمم الجبال،‏ والذي يصل إلى أربعة كيلو مترات في قطب الأرض الجنوبي‏،‏ وإلى ثلاثة آلاف وثمانمائة من الأمتار في القطب الشمالي،‏ ولولا ذلك لغطى ماء الأرض أغلب سطحها،‏ ولما بقيت مساحة كافية من اليابسة للحياة بمختلف أشكالها الإنسانية‏،‏ والحيوانية‏،‏ والنباتية‏،‏ وهي إحدى آيات الله البالغة في الأرض‏،‏ وفي تهيئتها لكي تكون صالحة للعمران‏. 

ومن ثَمَّ كان تفسير قوله سبحانه: {والبحر المسجور} بمعنى المملوء بالماء، المكفوف عن اليابسة، ينطبق مع عدد من الحقائق العلمية الثابتة، التي تشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق‏، وتشهد لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم‏ بالنبوة وبالرسالة‏. 

ثانياً‏(البحر المسجور‏) بمعنى البحر المتوقدفي العقود المتأخرة من القرن العشرين تم اكتشاف حقيقة تمزق الغلاف الصخري للأرض بشبكة هائلة من الصدوع العملاقة المزدوجة، والتي تكون فيما بينها ما يُعرف باسم (أودية الخسف) أو الأغوار، وأن هذه الأغوار العميقة تحيط بالأرض إحاطة كاملة‏،‏ وتمتد هذه الأغوار في كافة الاتجاهات لعشرات الآلاف من الكيلو مترات‏،‏ ولكنها تنتشر أكثر ما تنتشر في قيعان محيطات الأرض‏،‏ وفي قيعان عدد من بحارها‏،‏ ويتراوح عمق الصدوع المشكِّلة لتلك الأغوار بين (‏65)‏ كيلو متراً،‏ و(70)‏ كيلو متراً تحت قيعان البحار والمحيطات‏، وبين (‏100)‏ و(‏150)‏ كيلو متراً على اليابسة، وتعمل على تمزيق الغلاف الصخري للأرض بالكامل‏، وتقطيعه إلى عدد من الألواح الصخرية، التي تطفو فوق نطاق من الصخور شبه المنصهرة، يسميه العلماء باسم نطاق الضعف الأرضي‏، وهو نطاق تتحرك بداخله تيارات الحمل من أسفل إلى أعلى، حيث تتبرد وتعاود النزول إلى أسفل‏، وهي بتلك الحركة الدائبة والدائمة، تدفع بكل لوح من ألواح الغلاف الصخري للأرض إلى التباعد عن اللوح المجاور في أحد جوانبه،‏ ومصطدماً في الجانب المقابل باللوح الصخري المجاور، ليكون سلسلة من السلاسل الجبلية‏، ومنزلقاً عن الألواح المجاورة في الجانبين الآخرين‏.‏

وباستمرار تحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض، تتسع قيعان البحار والمحيطات باستمرار عند خطوط التباعد بينها‏،‏ وتندفع الصهارة الصخرية بملايين الأطنان في درجات حرارة تتعدى الألف درجة مئوية لتساعد على دفع جانبي المحيط يمنة ويسرة،‏ وتملأ المسافات الناتجة بالصهارة الصخرية المندفعة من باطن الأرض على هيئة ثورات بركانية عارمة‏ تحت الماء‏، تسجر قيعان جميع محيطات الأرض‏،‏ وقيعان أعداد من بحارها‏، وتجدد مادتها الصخرية باستمرار‏.‏ وقد أدى هذا النشاط البركاني فوق قيعان كل المحيطات،‏ وفوق قيعان عدد من البحار النشطة إلى تكون سلاسل من الجبال في أواسط المحيطات، تتكون في غالبيتها من الصخور البركانية‏،‏ وقد ترتفع قممها في بعض الأماكن على هيئة أعداد من الجزر البركانية من مثل جزر كل من إندونيسيا‏،‏ ماليزيا‏،‏ الفلبين‏،‏ اليابان، وغيرها.‏ وفي المقابل تصطدم ألواح الغلاف الصخري عند حدودها المقابلة لمناطق اتساع قيعان البحار والمحيطات، ويؤدي هذا التصادم إلى اندفاع قيعان المحيطات تحت كتل القارات وانصهارها بالتدريج، ما يؤدي إلى تكون جيوب عميقة عند التقاء قاع المحيط بالكتلة القارية، تتجمع فيها كميات هائلة من الصخور الرسوبية والنارية والمتحولة، التي تطوى وتتكسر لترتفع على هيئة السلاسل الجبلية على حواف القارات، من مثل سلسلة جبال الإنديز في غربي أمريكا الجنوبية،‏ وهنا يستهلك قاع المحيط بالتدريج تحت الكتلة القارية‏،‏ وإذا توقفت عملية توسع قاع المحيط، فإن هذا القاع قد يُستهلك بأكمله تحت القارة، ما يؤدي إلى تصادم قارتين ببعضهما‏،‏ وينشأ عن هذا التصادم أعلى السلاسل الجبلية من مثل جبال الهيمالايا، التي نتجت عن اصطدام الهند بالقارة الأسيوية بعد استهلاك قاع المحيط، الذي كان يفصل بينهما بالكامل في أزمنة أرضية سحيقة‏.‏

ويصاحب كل من عمليتي توسع قاع المحيط في محوره الوسطي، واصطدامه عند أطرافه بعدد من الهزات الأرضية‏، والثورات والطفوح البركانية‏.

ويبلغ طول جبال أواسط المحيطات أكثر من أربعة وستين ألفاً من الكيلو مترات‏،‏ بينما يبلغ طول الصدوع العميقة، التي اندفعت منها الطفوح البركانية، لتكون تلك السلاسل الجبلية في أواسط المحيطات أضعاف هذا الرقم‏.‏ وتتكون هذه السلاسل أساساً من الصخور البركانية المختلطة بالقليل من الرسوبيات البحرية، وتحيط كل سلسلة من هذه السلاسل المندفعة من قاع المحيط بواد خسيف، مكون بفعل الصدوع العملاقة التي تمزق الغلاف الصخري للأرض بعمق يتراوح بين خمسة وستين كيلو متراً وسبعين كيلو متراً، ليخترق الغلاف الصخري للأرض بالكامل، ويصل إلى نطاق الضعف الأرضي، الذي تندفع منه الصهارة الصخرية بملايين الأطنان في درجة حرارة تزيد عن الألف درجة مئوية؛ لتسجر قيعان كل محيطات الأرض‏، وقيعان عدد من بحارها النشطة باستمرار‏،‏ ومع تجدد اندفاع الصهارة الصخرية عبر مستويات هذه الصدوع العملاقة، يتسع قاع المحيط باستمرار‏،‏ وتتجدد مادته بدفع الصخور القديمة في اتجاه شاطئ المحيط يمنة ويسرة، ليحل محلها أحزمة أحدث عمراً، تتكون من تجمد تلك الصهارة الجديدة‏، وتترتب بصورة متوازية على جانبي أغوار المحيطات والبحار،‏ ويهبط كل جانب من جانبي قاع المحيط المتسع بنصف معدل اتساعه الكلي تحت كل قارة من القارتين أو القارات المحيطة بشاطئيه‏، وبذلك يمتلئ محور المحيط بالصهارة الصخرية الحديثة المندفعة عبر مستويات الصدوع الممزقة لقاعه فتسجره‏، بينما تندفع الصخور الأقدم بالتدريج في اتجاه الشاطئين، حيث توجد أقدم صخور ذلك القاع‏، والتي تستهلك باستمرار تحت القارات المحيطة‏.‏

وهذه الصدوع العملاقة التي تمزق قيعان كل محيطات الأرض،‏ وقيعان عدد من بحارها، توجد أيضاً على اليابسة -ولكن بنسب أقل منها- فوق قيعان البحار والمحيطات، وتعمل على تكوين عدد من الأغوار، والبحار الطولية، التي تعمل على تفتيت الكتل القارية باتساعها التدريجي، لتتحول تلك البحار الطولية -مثل البحر الأحمر- إلى بحار أكبر، ثم إلى محيطات تفصل بين الكتلة القارية، التي كانت متصلة على هيئة قارة واحدة،‏ وتحاط تلك الخسوف القارية العملاقة بعدد من القمم البركانية السامقة من مثل جبل (أرارات) في شرقي تركيا‏ (5100‏) متر فوق مستوى سطح البحر.


وقد ثبت لكل من علماء الأرض والبحار -بالأدلة المادية الملموسة- أن كل محيطات الأرض ‏(بما في ذلك المحيطان المتجمدان الشمالي والجنوبي‏) وأعداداً من بحارها -من مثل البحر الأحمر‏-‏قيعانها مسجرة بالصهارة الصخرية المندفعة بملايين الأطنان من داخل الأرض عبر شبكة الصدوع العملاقة، التي تمزق الغلاف الصخري للأرض بالكامل، وتصل إلى نطاق الضعف الأرضي، وتتركز هذه الشبكة من الصدوع العملاقة أساساً في قيعان البحار والمحيطات،‏ وأن كم المياه في تلك الأحواض العملاقة -على ضخامته- لا يستطيع أن يطفئ جذوة الصهارة الصخرية المندفعة من داخل الأرض إطفاء كاملاً، وأن هذه الجذوة -على شدة حرارتها‏- لا تستطيع أن تبخر هذا الماء بالكامل،‏ وأن هذا الاتزان الدقيق بين الأضداد من الماء والحرارة العالية، هو من أكثر ظواهر الأرض إبهاراً للعلماء‏،‏ وهي حقيقة لم يتمكن الإنسان من اكتشافها إلا في أواخر الستينات، وأوائل السبعينات من القرن العشرين‏.

ومن الملفت للانتباه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي لم يركب البحر في حياته الشريفة مرة واحدة، فضلاً عن الغوص إلى أعماقه، قال في حديث شريف أخرجه كل من الأئمة: أبو داود في "سننه‏"، والبيهقي في "سننه الكبرى‏"‏، وابن أبي شيبة في "مصنفه" عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما‏ ما نصه‏:‏ (لا يركب البحر إلا حاج، أو معتمر، أو غاز في سبيل الله

black;">‏، فإن تحت البحر ناراً،‏ وتحت النار بحراً) وفي رواية‏:‏ (إن تحت البحر ناراً،‏ ثم ماءً،‏ ثم ناراً). ويعجب الإنسان المتبصر لهذا السبق في كل من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة بالإشارة إلي حقيقة من حقائق الأرض، التي لم يتوصل الإنسان إلى إدراكها إلا في نهايات القرن العشرين‏، هذا السبق الذي لا يمكن لعاقل أن يتصور له مصدراً غير الخالق الواحد القهار، الذي أنزل هذا القرآن بعلمه‏ على خاتم أنبيائه ورسله‏، وعلَّم هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ صلى الله عليه وسلم‏ من حقائق هذا الكون ما لم يكن لأحد من الخلق إلمام به قبل العقود الثلاثة المتأخرة من القرن العشرين‏؛ لكي تبقى هذه الومضات النورانية في كتاب الله‏، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم‏ شهادات مادية ملموسة على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق، الذي حفظه تعالى على مدى أربعة عشر قرناً أو يزيد‏، وإلى قيام الساعة بلغة الوحي‏ نفسها، كلمة كلمة‏، وحرفاً حرفاً في صفائه الرباني‏،‏ واشراقاته النورانية‏، دون أدنى تغيير، أو تبديل، أو تحريف،‏ وأن هذا الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم كان موصولاً بالوحي‏،‏ ومُعَلَّماً من قبل خالق السماوات والأرض‏.‏ فسبحان الذي أنزل في محكم كتابه من قبل ألف وأربعمائة من السنين هذا القَسَم القرآني {والبحر المسجور}‏ وسبحان الذي علم خاتم أنبيائه ورسله بهذه الحقيقة، فقال قولته الصادقة: (إن تحت البحر ناراً، وتحت النار بحراً)‏. 

* مادة هذا المقال مستفادة من موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن السنة بتصرف.

اقرأ المزيد ...
جميع الحقوق محفوظة لـلغة الحياة
تعريب وتطوير ( كن مدون ) Designed By